ابن قيم الجوزية

174

شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل

العبد ، ولهذا أثنى على من يسأله أن يصبره ، فقال تعالى : وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ ( 250 ) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ ( 251 ) [ البقرة ] ففي الآية أربعة أدلة . أحدها : قولهم : « أفرغ علينا صبرا » ، والصبر فعلهم الاختياري ، فسألوه ممن هو بيده ومشيئته وإذنه ، إن شاء أعطاهموه ، وإن شاء منعهموه . الثاني : قولهم : « وثبّت أقدامنا » ، وثبات الأقدام فعل اختياري ، ولكنّ التثبيت فعله ، والثبات فعلهم ، ولا سبيل إلى فعلهم إلا بعد فعله . الثالث : قولهم : « وانصرنا على القوم الكافرين » فسألوه النصر وذلك بأن يقوّي عزائمهم ، ويشجعهم ويصبرهم ويثبتهم ، ويلقي في قلوب أعدائهم الخور والخوف والرعب ، فيحصل النصر ، وأيضا فإنّ كون الإنسان منصورا على غيره ، إما أن يكون بأفعال الجوارح ، وهو واقع بقدرة العبد واختياره ، وإما أن يكون بالحجة والبيان والعلم ، وذلك أيضا فعل العبد ، وقد أخبر سبحانه أن النصر بجملته من عنده ، وأثنى على من طلبه منه ، وعند القدرية لا يدخل تحت مقدور الرب . الرابع : قوله : « فهزموهم بإذن اللّه » وإذنه هاهنا هو الإذن الكونيّ القدريّ ، أي : بمشيئته وقضائه . وقدره ليس هو الإذن الشرعي الذي بمعنى الأمر ، فإن ذلك لا يستلزم الهزيمة بخلاف إذنه الكوني وأمره الكونيّ ، فإنّ المأمور المكون لا يتخلف عنه البتة .